المشرق نيوز
المشرق نيوز

الأخبار

الحرب انتهت.. وبدأت معركة الاقتصاد المصري

د. محمد سامح
-

انتهت الحرب الامريكية الايرانية وانحسارت المواجهات العسكرية، إلا أن تداعياتها الاقتصادية لم تنته، بل استمرت في فرض أعباء كبيرة على الاقتصاد المصري، الذي وجد نفسه يتحمل جانبًا مهمًا من كلفة أزمة لم يكن طرفًا فيها، بما انعكس على مؤشرات الأمن الاقتصادي والاستقرار المالي، وهنا يبرز سؤال حتمي يتجاوز حدود الرثاء والتشخيص إلى فضاء الفعل والبحث عن مخرج. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن انتظار انجلاء غبار المعركة بين إيران وأمريكا لم يعد ترفاً استراتيجياً تملكه القاهرة في ظل احتياطي نقدي يدور حول 48 مليار دولار، وأقساط والتزامات دين خارجي تستحق خلال عام 2026 تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. إن أزمة تراجع إيرادات قناة السويس ليست مجرد صدمة عابرة، بل هي اختبار ضغط عنيف كشف عن هشاشة هيكلية في نموذج اقتصادي ظل لعقود يعتمد على القناة باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، حيث كانت تحقق أكثر من 10.2 مليار دولار خلال السنة المالية 2022/2023، قبل أن تتراجع الإيرادات بأكثر من 60% في بعض الأشهر نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وتحويل مئات السفن مسارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى خسائر تجاوزت 7 مليارات دولار وفق تقديرات رسمية. وفي مواجهة هذا الواقع، حيث يصبح الاقتراض التقليدي من المؤسسات الدولية بمثابة انتحار مالي بطيء في ظل دين خارجي تجاوز 163 مليار دولار، بينما تستحوذ فوائد وأقساط الدين على ما يزيد على 50% من الإنفاق العام، تبرز الحاجة الملحة إلى حلول تخرج عن الصندوق التقليدي للسياسات النقدية، حلول تعيد هندسة الموارد الداخلية بمنطق استثماري خالص لا يضيف مليماً واحداً إلى أعباء الأجيال القادمة.

وأول ما ينبغي التحرك فيه، وبشكل فوري لا يحتمل التأخير، هو استخدام ورقة القناة ذاتها كورقة تفاوض مالي دفاعي عوضاً عن كونها مصدر نزيف. فبدلاً من التوجه لطرق أبواب الدائنين بحثاً عن مليارات جديدة لسداد التزامات نهاية العام، يمكن للقاهرة أن تتبنى آلية "مبادلة العبور بالديون" مع كبرى القوى الاقتصادية الصاعدة التي تمتلك فوائض تجارية مع مصر، وعلى رأسها الصين والهند وروسيا. وتقوم هذه الفكرة الخارجة عن المألوف على الدخول في حوار مباشر مع هذه الدول لاستبدال التزامات مالية مستحقة وفوائدها بضمانات عبور مستقبلية في قناة السويس لسنوات مقبلة. إنها صفقة يربح فيها الطرفان، فالدائن الاستراتيجي يحصل على ميزة لوجستية وأمنية حصرية لأساطيله التجارية في أهم ممر مائي بالعالم الذي يمر عبره ما يقرب من 12% من حجم التجارة العالمية وأكثر من 20% من تجارة الحاويات، ومصر من جهتها تخفف حدة الضغط على مواردها الدولارية الشحيحة دون أن تقترض قرشاً جديداً. وبالتوازي مع ذلك، وفي محاولة لاحتواء فاتورة الطاقة التي تشكل رأس الحربة في معركة التضخم والتي تجاوزت وارداتها من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي 21 مليار دولار في بعض السنوات، يمكن للحكومة أن تطلق أداة مالية تستهدف السيولة المحلية الهاربة من الجنيه إلى ملاذات الذهب والعقار، وذلك عبر "شهادة خضراء وطنية" مقومة بالجنيه لكن أرباحها مربوطة بحركة سعر الدولار الاستيرادي. الهدف هنا ليس مجرد جمع أموال، بل توجيه هذه الحصيلة حصرياً لبناء قدرات تتجاوز 5 جيجاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في صعيد مصر، وهو ما يمكن أن يخفض استهلاك الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء بنسبة تتراوح بين 15 و20% خلال أقل من عامين، مما يوقف نزيف مليارات الدولارات المستنزفة في استيراد الوقود ويخفف حدة التضخم الناتج عن ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة.

وإذا كانت السياسة النقدية وحدها عاجزة عن كبح جماح الأسعار، فإن الحل الأكثر فاعلية وقرباً من المواطن يكمن في تأسيس "غرفة مقاصة للسلع الأساسية" مع الكتلة الشرقية، وتحديداً مع الصين والهند وروسيا، وهي دول تمثل مجتمعة أكثر من 35% من الناتج العالمي ونحو 40% من سكان العالم. إنها عودة ذكية لعصر المقايضة ولكن بثوب استراتيجي حديث، حيث تقدم مصر ما تجيد زراعته من خضروات وفواكه طازجة ومنتجات زراعية تجاوزت صادراتها 10 ملايين طن سنوياً، مقابل استيراد القمح والزيت والمعدات الثقيلة دون أن يمر الدولار في أي من طرفي المعادلة. هذه الآلية لا تحافظ فقط على مخزون العملة الصعبة في خزائن البنك المركزي، بل تضمن أيضاً استمرار تدفق السلع الأساسية، خاصة أن مصر تعد أكبر مستورد للقمح في العالم بإجمالي واردات يتراوح بين 11 و13 مليون طن سنوياً.

وعلى المدى الأبعد، حيث تحتاج البلاد إلى تحصين نفسها من أن تكون رهينة دائمة لجغرافيا التوتر في الشرق الأوسط، يبرز الحل الأكثر جرأة والمتمثل في إعادة تعريف هوية قناة السويس نفسها. فبدلاً من أن تكون مجرد ممر مائي يدفع ثمنه المسافر، يمكن تحويلها إلى "شركة ضمان وتأمين بحري إقليمية". وتقوم الفكرة على تأسيس صندوق استثماري يمول من بيع حصة محدودة من أرباح القناة المستقبلية لصناديق الثروة السيادية الأفريقية والأوروبية المهتمة باستقرار حركة التجارة العالمية، وهي صناديق تدير أصولاً تتجاوز عدة تريليونات من الدولارات، على أن تكون مهمته الأساسية هي تقديم تغطية تأمينية ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة بسعر تنافسي يقل بنسبة 20 إلى 30% عن أسعار التأمين التجاري التقليدية. فعندما تتحول مصر إلى ضامن لهذا الممر، فإن العلاوة التأمينية التي دفعت كثيراً من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مضيفة ما بين 10 و15 يوماً إلى زمن الرحلة وما يقارب مليون دولار إلى تكلفة بعض الرحلات الكبيرة، ستنخفض، ويعود الحساب الاقتصادي لصالح القناة حتى في أوج الاضطرابات السياسية. إنها عملية جراحية في مفهوم "الرسوم" ليتحول إلى مفهوم "الخدمة المتكاملة الآمنة".

أما المعضلة الأعمق والأكثر إيلاماً، وهي معادلة التضخم والدين المتصاعدة، فإن حلها يكمن في فك الارتباط العضوي بين الموازنة المصرية وأسعار النفط والغذاء العالميين. وهنا تبرز ضرورة الربط بين أكبر مشروع قومي في تاريخ مصر الحديث، وهو محطة الضبعة النووية التي ستصل قدرتها الإنتاجية إلى 4.8 جيجاوات، وبين هدف استراتيجي غير معلن بشكل كاف وهو "الاكتفاء الذاتي من القمح". فمن خلال تخصيص الطاقة الكهربائية الرخيصة والمياه المحلاة الناتجة عن الطاقة النووية السلمية لصالح صندوق سيادي زراعي، يمكن في غضون سنوات قليلة زراعة نصف مليون فدان في الصحراء الغربية بالزراعة المحمية والذكية، مما يرفع الإنتاج المحلي بنحو 2.5 إلى 3 ملايين طن سنوياً ويخفض فاتورة استيراد القمح بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً وفق مستويات الأسعار العالمية الحالية. إنها معادلة رياضية بسيطة: كل مليار دولار يبقى في خزينة الدولة بسبب عدم استيراد القمح هو مليار دولار لا نضطر لاقتراضه بفوائد مركبة، مما يحسن من منحنى الدين الخارجي دون أي تدخل خارجي.

وفي سياق إعادة تعريف العلاقة بالعملة، يمكن لمصر أن تتبنى سياسة "التوأمة النقدية الإنتاجية" مع القطاع الخاص الوطني والشركات متعددة الجنسيات العاملة في أفريقيا، وهي سوق تضم أكثر من 1.4 مليار مستهلك وناتجاً محلياً يزيد على 3 تريليونات دولار. بدلاً من سياسة التعويم الموجعة والمرتبطة بمزاج المستثمر الأجنبي في أدوات الدين الساخنة، تقوم الفكرة على ربط استقرار الجنيه بمعدل تدفق الاستثمارات المباشرة في مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة، خاصة أن كل مليار دولار من الاستثمار المباشر يوفر آلاف فرص العمل ويولد طلباً دائماً على العملة المحلية عبر الأجور وسلاسل التوريد والإنفاق التشغيلي، مما يخلق توازناً حقيقياً في سعر الصرف قائماً على أصول ملموسة وليس على ديون ساخنة تهرب عند أول زلزال سياسي.

وأخيراً، وليس آخراً، تأتي ضرورة إعادة هيكلة المديونية الداخلية التي تمثل كرة ثلج تتدحرج داخل الموازنة، في ظل دين محلي يقترب من 10 تريليونات جنيه وتكلفة خدمة دين تلتهم الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي. الحل غير التقليدي هنا يكمن في إنشاء صندوق "الفرص الضائعة" الذي يطرح أسهمه في البورصة المصرية للمواطن العادي. يستثمر هذا الصندوق في إعادة هيكلة وإدارة المصانع والشركات الحكومية المتعثرة التي تمتلك أصولاً عقارية وصناعية بمليارات الجنيهات ولكنها تخسر تشغيلياً، وتوجه أرباحه بالكامل لسداد فوائد الديون المحلية المستحقة على الحكومة لصالح البنوك المصرية. إنها عملية إعادة تدوير للثروات المعطلة لصالح خفض تكاليف خدمة الدين، وهي أداة استثمارية تمنح المصريين بديلاً وطنياً عن الإقبال المحموم على شراء الدولار والذهب، خاصة أن قيمة الذهب في السوق المصرية ارتفعت بأكثر من 100% خلال عامين، بينما تجاوزت الودائع المصرفية عدة تريليونات من الجنيهات يمكن توجيه جزء منها نحو الاستثمار الإنتاجي.

في نهاية المطاف، لا يمكن للاقتصاد المصري أن ينتظر حتى يلتقط أنفاسه بعد انتهاء الحرب. فالدروس المستفادة من انخفاض معدلات العبور في قناة السويس تؤكد حقيقة مرة مفادها أن الاعتماد على مصدر دخل واحد، مهما كان استراتيجياً، يشبه بناء ناطحة سحاب على أرض زلزالية. والحقيقة أن القناة التي كانت توفر أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً يمكن أن تفقد في أشهر قليلة أكثر من نصف إيراداتها بسبب أزمة جيوسياسية واحدة، وهو ما يؤكد أن تنويع مصادر النقد الأجنبي لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية. والحلول المطروحة، وإن بدت خارجة عن الصندوق التقليدي لصانع القرار، إلا أنها تمثل محاولة لتحويل هذا التهديد الجيوسياسي إلى فرصة لإعادة تعريف قوة مصر الاقتصادية، ليس من خلال الاستجداء المالي لأي طرف خارجي، بل من خلال إعادة اكتشاف قوة أصولها الداخلية وجغرافيتها الفريدة كضمانة استثمارية ذاتية في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.

د. محمد سامح

استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا